الشيخ محمد هادي معرفة
413
التفسير الأثرى الجامع
قيل له : وجه ذلك أنّه تعالى لمّا وصفهم بالتعفّف وأنّهم ليسوا أهل مسألة بحال بقوله : يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ . وأنّهم إنّما يعرفون بالسيماء ، زاد عباده إبانة لأمرهم وحسن الثناء عليهم ، بنفي الشّره والضراعة الّتي تكون في الملحّين ، عنهم « 1 » . وقال الزمخشري : الإلحاف : الإلحاح ، وهو اللزوم وأن لا يفارق إلّا بشيء يعطاه . قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم : « إنّ اللّه يحبّ الحيي الحليم المتعفّف ، ويبغض البذيّ السائل الملحف » « 2 » . قال : ومعناه : أنّهم إن سألوا سألوا بتلطّف ولم يلحّوا . وقيل : هو نفي للسؤال والإلحاف جميعا ، كقوله : على لاحب لا يهتدى بمناره « 3 » . يريد : نفي المنار والاهتداء به . قال الفخر الرازي : هذه الآية من المشكلات . وأخذ في تأويلها : أوّلا : ما قاله الزمخشري : إنّ المعنى : أنّهم إن سألوا سألوا بتلطّف ولم يلحّوا . قال الرازي : وهو ضعيف ! لأنّه ينافي وصفهم بالتعفّف عن السؤال . وثانيا : ما خطر بباله : أن ليس المقصود أنّهم لا يلحفون في السؤال . إذ قد علم من قوله تعالى : يَحْسَبُهُمُ الْجاهِلُ أَغْنِياءَ مِنَ التَّعَفُّفِ أنّهم لا يسألون قطّ . فإذا لم يسألوا قطّ ، فإنّهم لا يلحفون في المسألة .
--> ( 1 ) الطبري 3 : 136 . ( 2 ) أخرجه ابن أبي شيبة 6 : 91 / 6 . ( 3 ) البيت لامرئ القيس ، وقبله : وإنّي زعيم إن رجعت مملّكا * بسير ترى منه الفرانق أزورا على لاحب لا يهتدى بمناره * إذا سافه العود النباطيّ جرجرا والزعيم : الكفيل . والفرانق : رائد القوم الّذي يدلّهم على الطريق . والأزور : الحائد عن الطريق . واللّاحب : الطريق اللّائح . والمنار : أعلام الطريق يهتدى بها . وسافه : شمّ . والعود : الجمل المسنّ . والنباطيّ : نسبة إلى النّبط . وهم قوم يحلّون البطاح يستنبطون منها الماء . والجرجرة : صوت يردّده الجمل إذا تعب وأخذه العيّ في المسير . يقول : إذا ملّكوني كنت متكفّلا لهم السير في طريق لائح ، لا حاجة فيه إلى الاهتداء بمعالم وأدلّاء . قال الشيخ محمّد عليان : وهذا نوع من البديع يسمّونه نفي الشيء بإيجابه . ويفسّرونه بأن يكون الكلام ظاهره إيجاب الشيء وباطنه نفيه ، بأن ينفي ما هو من سببه ومن لوازمه . وفي البيت نفي الاهتداء بالمنار ، والمقصود : نفي المنار . كما ذكره السيوطي في شرح عقود الجمان . ( هامش الكشّاف 1 : 318 - 319 ) .